أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

226

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

472 - ولست براجع ما فات منّي * بلهف ولا بليت ولا لونّي « 1 » أي : بقولي يا لهفا ، السادسة : بناء المضاف إليها على الضمّ تشبيها بالمفرد ، نحو قراءة من قرأ : « قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ » « 2 » . قال بعضهم : « لأنّ « يا قوم » في تقدير : يا أيّها القوم » وهذا ليس بشيء . والقوم : اسم جمع ، لأنّه دالّ على أكثر من اثنين ، وليس له واحد من لفظه ولا هو على صيغة مختصّة بالتكسير ، ومفرده رجل ، واشتقاقه من قام بالأمر يقوم به ، قال تعالى : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ « 3 » ، والأصل في إطلاقه على الرجال ، ولذلك قوبل بالنساء في قوله : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ « 4 » وفي قول زهير : 473 - وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء « 5 » وأما قوله تعالى : « كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ » « 6 » و « كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ » « 7 » ، والمكذّبون رجال ونساء فإنما ذلك من باب التغليب ، ولا يجوز أن يطلق على النساء وحدهنّ البتة ، وإن كانت عبارة بعضهم توهم ذلك . قوله : بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ الباء للسببية ، متعلّقة ب « ظلمتم » وقد تقدّم الخلاف في هذه المادة : هل أصلها أخذ أو تخذ . و « العجل » مفعول أول والثاني محذوف أي : إلها كما تقدّم . والمصدر هنا مضاف للفاعل وهو أحسن الوجهين ، فإنّ المصدر إذا اجتمع فاعله ومفعوله فالأولى إضافته إلى الفاعل لأنّ رتبته التقديم ، وهذا من الصور التي يجب فيها تقديم الفاعل . فأمّا : قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ « 8 » فسيأتي القول فيها مشبعا إن شاء اللّه تعالى . والعجل معروف وهو ولد البقرة . قال الراغب : « العجل ولد البقرة لتصوّر عجلتها التي تعدم منه إذا صار ثورا » . وقيل : إنما سميّ عجلا لأنهم تعجّلوا عبادته قبل مجيء موسى ، ويروى عن عليّ ، وهذا لا يصحّ عنه فإنّ هذا الاسم معروف قبل ذلك ، والجمع عجاجيل وعجول . قوله : « إلى بارئكم » متعلّق ب « توبوا » والمشهور كسر الهمزة ، لأنها حركة إعراب ، وروي عن أبي عمرو ثلاثة أوجه أخر : الاختلاس ، وهو الإتيان بحركة خفية ، والسكون المحض ، وهذه قد طعن عليها جماعة من النحويين ، ونسبوا راويها إلى الغلط على أبي عمرو ، قال سيبويه : « إنما اختلس أبو عمرو فظنّه الراوي سكّن ولم يضبط » ، وقال المبرد : « لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر ، وقراءة أبي عمرو لحن » وهذه جرأة من المبرّد وجهل بأشعار العرب ، فإنّ السكون في حركات الإعراب قد ورد في الشعر كثيرا ، ومنه قول امرئ القيس :

--> ( 1 ) البيت في أمالي ابن الشجري ( 2 / 74 ) ، الممتع ( 622 ) ، المحتسب ( 1 / 323 ) ، المقرب ( 1 / ) ، العيني ( 4 / 248 ) ، الخزانة ( 1 / 63 ) ، رصف المباني ( 288 ) ، الإنصاف ( 390 ) ، الدرر ( 2 / 69 ) ، اللسان « ركب » ، البحر المحيط ( 5 / 271 ) ، روح المعاني ( 12 / 58 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء ، آية ( 112 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 34 ) . ( 4 ) سورة الحجرات ، آية ( 11 ) . ( 5 ) البيت في ديوانه ( 73 ) ، الهمع ( 1 / 153 ) ، الدرر ( 1 / 136 ) . ( 6 ) سورة الشعراء ، آية ( 105 ) . ( 7 ) سورة الشعراء ، آية ( 160 ) . ( 8 ) سورة الأنعام ، آية ( 137 ) .